هندسة الفشل.. كيف تعمل "الدولة العميقة" في إسرائيل على اغتيال السلام؟ (الوثيقة الكاملة)
في عالم السياسة الساذج، يُنظر إلى فشل مفاوضات السلام على أنه نتيجة "لسوء الفهم" أو "غياب الشريك" أو "تعنت الأطراف". لكن عند تشريح الحالة الإسرائيلية، نكتشف حقيقة مرعبة: الفشل هو المنتج المطلوب.
هناك "دولة عميقة" داخل الكيان، تتكون من تحالف معقد بين الجيش، والمستوطنين، ورأس المال، والمؤسسة الدينية، تعمل بانسجام تام لضمان عدم نجاح أي تسوية سياسية حقيقية. السلام بالنسبة لهذا التحالف ليس "أملاً"، بل هو "تهديد وجودي" و"خسارة اقتصادية".
هذه الوثيقة تفكك "الميكانزم" (الآلية) التي تعمل بها هذه الآلة لقتل السلام، وتحويل الصراع إلى حالة أبدية مربحة.
1. بنية الأخطبوط: تحالف المصالح ضد الحل
لا يوجد "شخص واحد" يقرر وقف السلام، بل هناك شبكة مصالح مترابطة (Ecosystem of Conflict) لا يمكنها العيش إلا في بيئة الحرب:
- المؤسسة الأمنية والعسكرية: ميزانية الجيش الإسرائيلي ضخمة جداً، وأي حالة سلام حقيقي تعني تقليص هذه الميزانيات، وتقليل نفوذ الجنرالات في السياسة. الجنرال في إسرائيل هو "السياسي القادم"، والحرب هي "سيرته الذاتية".
- لوبي الاستيطان (مجلس يشع): لم يعد هؤلاء مجرد "سكان تلال"، بل أصبحوا يسيطرون على مفاصل الدولة (وزارة المالية، الأمن القومي). هدفهم ليس الأمن، بل "الخلاص الديني" عبر احتلال كل شبر.
- رأس المال (اقتصاد الحرب): شركات التكنولوجيا العسكرية (Elbit, Rafael) تحتاج إلى "حقل تجارب" دائم لأسلحتها. غزة والضفة هما "المختبر" الذي يتم فيه اختبار تقنيات المراقبة والقتل قبل بيعها للعالم. السلام يعني إغلاق هذا المختبر.
2. سابقة اغتيال رابين: عندما تقتل الدولة رئيسها
لكي نفهم مدى خطورة هذه "الدولة العميقة"، يجب أن نعود لعام 1995.
إسحاق رابين (رئيس الوزراء وجنرال الحرب السابق) قرر السير في مسار أوسلو بجدية نسبية. ماذا حدث؟
لم يقتله فلسطيني، ولم يقتله جيش عربي. قتله "النظام الصهيوني" نفسه.
القاتل (يجال عامير) لم يكن "ذئباً منفرداً"، بل كان نتاج حملة تحريض ممنهجة شارك فيها حاخامات أصدروا فتاوى "دين روديف" (حكم ملاحقة الخائن)، وسياسيون (مثل نتنياهو الذي قاد مسيرات بصور رابين في بزة نازية)، وجهاز أمن "تراخى" بشكل مريب في حماية الرئيس.
الدرس المستفاد: النظام الصهيوني لديه "مناعة ذاتية" ضد السلام. إذا حاول أي قائد (حتى لو كان من مؤسسيه) أن يذهب بعيداً في الحل السياسي، فإن النظام يلفظه أو يقتله. الرصاصات التي قتلت رابين كانت رسالة لكل رئيس وزراء قادم: "الخط الأحمر ليس الأمن، الخط الأحمر هو التنازل عن الأرض".
3. الحرب القانونية: "شرعنة السرقة"
أحد أخطر أدوات التعطيل هو استخدام "القانون" لفرض وقائع تمنع أي حل مستقبلي. إسرائيل لا تسرق الأرض بالدبابة فقط، بل بالمطرقة والقاضي.
- قانون أملاك الغائبين (1950): الأداة السحرية التي تسمح للدولة بمصادرة أي أرض فلسطينية بمجرد أن يغادر صاحبها (ولو لقرية مجاورة).
- الإعلان عن "أراضي دولة": آلية قانونية لتحويل الأراضي الفلسطينية الخاصة في الضفة إلى "محميات طبيعية" أو "مناطق عسكرية"، ثم تحويلها لاحقاً لمستوطنات.
- المحكمة العليا: التي تسوّق نفسها للعالم كـ "منارة للديمقراطية"، بينما هي في الحقيقة "المبيضة" (Whitewasher) لجرائم الاحتلال. هي التي تشرعن هدم البيوت، والاعتقال الإداري، والجدار العازل، مغلفة إياها بلغة قانونية أنيقة تقطع الطريق على القانون الدولي.
هذه الإجراءات تخلق "ألغاماً قانونية" تجعل تفكيك الاستيطان في أي مفاوضات أمراً "مستحيلاً" من الناحية الإجرائية الداخلية.
4. عقيدة نتنياهو: "إدارة الصراع" بدلاً من حله
بنيامين نتنياهو، عراب السياسة الإسرائيلية الحديثة، رسخ عقيدة جديدة قضت على فكرة "الأرض مقابل السلام".
عقيدته هي: "السلام مقابل السلام" أو "إدارة الصراع" (Conflict Management).
تقوم هذه الاستراتيجية على:
- جز العشب: شن حملات عسكرية دورية على غزة والمقاومة لإضعافها دون القضاء عليها تماماً أو حل المشكلة جذرياً.
- السلام الاقتصادي: محاولة رشوة الفلسطينيين ببعض التسهيلات المعيشية (تصاريح عمل) مقابل الصمت السياسي والتخلي عن الحقوق الوطنية.
- التجاوز الإقليمي: عقد اتفاقيات تطبيع مع دول عربية بعيدة، للقول إن "القضية الفلسطينية لم تعد عائقاً"، وبالتالي عزل الفلسطينيين وإجبارهم على القبول بالفتات.
5. الهاسبارا: صناعة "الضحية المسلحة"
لكي تنجح في إفشال السلام دون أن يعاقبك العالم، يجب أن تمتلك آلة دعاية (Hasbara) جبارة تقلب الحقائق.
تعمل وزارة الشؤون الاستراتيجية وشبكة من المنظمات (مثل StandWithUs) على:
- شيطنة الشريك: تصوير أي قائد فلسطيني (حتى لو كان معتدلاً) على أنه "إرهابي" أو "ضعيف" أو "محرض"، لترويج مقولة "لا يوجد شريك فلسطيني".
- لعبة معاداة السامية: تحويل أي نقد سياسي لسياسات إسرائيل (الاستيطان، الحصار) إلى "هجوم على اليهود"، مما يخرس المنتقدين في الغرب.
- استراتيجية "لوم الضحية": الفلسطيني هو المذنب لأنه يرفض "العروض السخية" (التي هي في الحقيقة كانتونات ممزقة)، بينما إسرائيل هي الضحية التي تدافع عن نفسها.
6. خطة الحسم: عندما يصبح "الترانسفير" سياسة
أخيراً، انتقلت الدولة العميقة من مرحلة "المراوغة" إلى مرحلة "الحسم".
التيار الصهيوني الديني (سموتريتش وبن غفير) طرح خطة واضحة تُعرف بـ "خطة الحسم". لا مفاوضات، لا دولتين. الخيارات أمام الفلسطيني ثلاثة فقط:
- العيش كمقيم من الدرجة الثانية بلا حقوق سياسية (نظام فصل عنصري معلن).
- الهجرة الطوعية (الترانسفير الناعم) عبر خنق سبل الحياة.
- القتل لمن يقاوم.
هذه الخطة لم تعد "هامشية"، بل أصبحت البرنامج العملي للحكومة. ما نراه في الضفة من إطلاق يد المستوطنين لحرق القرى، وفي غزة من تدمير شامل، هو تطبيق عملي لهذه الخطة: جعل الحياة مستحيلة لفرض الهجرة.
الخلاصة: السلام كخطر وجودي
في الختام، يجب أن ندرك الحقيقة الباردة: إسرائيل ليست مصممة للسلام.
أيديولوجياً: الصهيونية تقوم على "الاستحواذ" و"التفوق"، والسلام يتطلب "التقاسم" و"المساواة"، وهذان نقيضان لا يجتمعان.
اقتصادياً: الحرب هي محرك النمو للتكنولوجيا الإسرائيلية.
سياسياً: السلام يعني تفكك التحالف الداخلي واندلاع حرب أهلية بين العلمانيين والمتدينين (لأن العدو الخارجي هو الصمغ الذي يجمعهم).
لذلك، فإن "هندسة الفشل" ستستمر. وكلما اقترب العالم من حل، ستقوم إسرائيل باختلاق أزمة، أو شن حرب، أو اغتيال قائد، لخلط الأوراق والعودة إلى المربع الأول. الرهان ليس على تغيير إسرائيل من الداخل، بل على كشف هذه الآلية للعالم، وتعطيل تروسها بالضغط والمقاطعة والصمود.
هذا التقرير يوضح لماذا تعتبر الرهانات على "المفاوضات الثنائية" في ظل موازين القوى الحالية نوعاً من العبث. الطريق الوحيد لكسر هذه الهندسة هو تغيير موازين القوى وتدفيع الاحتلال ثمناً باهظاً لاستمرار الوضع القائم.
